جنون حرف
11-11-2011, 02:15 AM
http://t2.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcRWUx9AVkHC47-rQ0sQ5E7SE3yVZJJNlfM_64h1FeVl7xMBq8AJQq5phnza
مصطلح التاريخ
وهو بحث في نقد الأصول
وتحري الحقائق التاريخية وايضاحها وعرضها
وفي مايقابل ذلك في علم الحديث
لمؤلفه
الدكتور أسد رُستم
احد اساتذة التاريخ في الجامعة اللبنانية
منشورات المكتبة البولسية
طبعة رابعة
1984
جميع الحقوق محفوظة
للمكتبة البولسية وللمؤلف
(لبنان)
منشورات المكتبة البولسية
شارع لبنان –بيروت ص-ت 9544-11لبنان
شارع القدييس بولس –جونية –ص,ب :521لبنان
هاتف :933052911561
مصطلح التاريخ
وهو بحث في نقد الأصول
وتحري الحقائق التاريخية وايضاحها وعرضها
وفي مايقابل ذلك في علم الحديث
لمؤلفه
الدكتور أسد رُستم
احد اساتذة التاريخ في الجامعة اللبنانية
منشورات المكتبة البولسية
المقدمة
أقدم التواريخ المدونة أسفار موسى الخمسة وأسفار يشوع وصموئيل فأنها دنت فيما يظهر حولي السنة 900 قبل الميلاد .وأول من حاول نقد الرويات التاريخية هكتاريوس الملطي اليوناني . فأنه كتب في القرن السادس قبل الميلاد في أصل الشعب اليوناني .
وأول من نظم نقد الروايات التاريخية ووضع القواعد لذلك علماء الدين الإسلامي .
وجاء عبد الرحمن بن خلدون في القرن الرابع عشر (1332-1406) فكتب في مقدمته في "طبائع العمران" وجعل من هذه الطائع محكاً علمياً لنقد الأخبار التاريخية وتمحيصها فسجل بذلك فوز كبيراً.
وأدت الاكتشافات الجغرافية واليقظات العلمية الفنية والمنازعات الدينية والمطامع السياسية والوثبات الفلسفية في القرون الحديثة في أوروبة إلى الرجوع إلى الماضي وتقليب صفحاته والاهتمام بأخباره.
وأول من نادى بنقل التاريخ من ميادين الخصام إلى مجلس الدروس والتدقيق العالم الايطالي جيوفني فيكو اصدر كتابه (أصول علم الجديد) اعتبر به التاريخ فرعاً من علم الاجتماع الإنساني.
في اوربه في القرن السادس عشر قام علماء مؤرخون في دول الغرب يعنون بجمع المصادر بدافع الاعتزاز بالماضي.
وفي القرن التاسع عشر امن رهط من العلماء الألمان بالنقد وجعلوا من ألمانية أساتذة للعالم بأسره في فن التاريخ الحديث.
وزعيم ؤلاء دون منازع هوليوبولد فون رانكي (1795-1886).
وساهم المؤرخون الافرنسيون مساهمة قيمة في نقد المراجع الأولية بعمليهم العظيم في مدرسة الوثائق التاريخية التي اسسوها في سنة 1821.
وسرت عدوى هذا التدقيق في المراجع من ألمانية وفرنسة إلى بريطانية وفي متصف القرن التاسع عشر أمً مدارس المانية عدد من الطلاب الامريكين درسوا التاريخ بالأسلوب الجديد وأشهرهم هنري ادمز.
تحدث الكاتب هنا عن عهده بهذا العلم وجمعه أهم المؤلفات وكان عدد منها باللغة الأجنبية ، وذكر احتفال سوريا بمرور الف سنة على وفاة المتنبي وتحدث عن المكتبة الظاهرية .
اخيراَ علم التاريخ يعوزه مايعوز سائر العلوم الأخرى لابد أن ينشاء نشأة علمية خالصة يتربى بها على الشروط الفنية.
أسد رستم
عن لشوير لبنان في 12 أيلول سنة 1939
عن رأس بيروت في 2نيسان سنة 1955
الباب الأول
التقميش
اذا ضاعت الأصول ضاع التاريخ معها. لذلك التاريخ يقوم على الآثار التي خلفتها عقول السلف أو ايديهم. لذا على المؤرخين أن يتفرغوا للبحث عن شتى الآثار والتي تختلف عن السلف ، اصطلاح تسمى أصولا .
والأصول لدى المؤرخ هي جميع الآثار التي تختلف عن السلف فالرسائل الواردة إلى مجلس محمد علي باشا والصادرة عنه هي أصول لتاريخ. وايضاً تاريخ الشيخ عبدالرحمن الجبرتي أصل من الأصول.
ونسمي أولى خطوات المؤرخ المدقق المنقب التقميش فيجب أن يعني بتقميش الأصول .
***
الباب الثاني
العلوم الموصلة
لنتمكن من الوصول إلى الحقيقة .ينقب المؤرخ ماقمش وينعم النظر فيه ليستعمله في تشييد مايبنى من صروح التاريخ واذا فعل سرعان مايشعر بحاجته إلى مانريد أن نسميه بالعربية العلوم الموصلة.والاستعارة في هذه التسمية من علم التفسير .
وقد وجد في النصف الأول من القرن التاسع أن الأصول لهذه الحقبة من تاريخنا ترد في العربية والتركية والافرنسية والانكليزية والألمانية والايطالية والبولونية والروسية وأهمها اللغات الخمس الأولى.
ولدى إعادة النظر في بعض ماعثر عليه من الأصول المشار اليها ألفيناه رسائل رسمية متبادلة بين حكام ذلك العصر توخى كاتبها نوعا خاصاً من الخط العربي وهو الديواني المعلق .ولابد من دراسة هذا الخط للتأكد من قراءة الأصول المكتوبة به.
والامر نفسه على الأختام المستعملة في الرسائل فلابد من معرفة المواد المصنوعة منها .
لذا يشعر المؤرخ في هذه الحقبة من تاريخ العرب بحاجة إلى أبحاث علمية في أصول المخابرات الرسمية .
ولابد للمؤرخ العصري من التبحر في العلوم الاجتماعية والفلسفية ليتوصل إلى العوامل الأساسية .
***
الباب الثالث
نقد الأصول
الفصل الأول
التزوير في الأصول والدروس فيها ووجوب التثبت من صحتها وأصالتها
لابد أن يتربص المؤرخ في أصل ما لدية من أصول حتى لايقع في التضليل والتزوير ، وضياع الوقت سدى.
فنقوم بفحص الوثائق التاريخية فنتذرع بما يسميه المؤرخون الدليل الظاهري والباطني .فلنبدأ بالظاهر الملموس ولندقق بالورق أولاً ثم ننتقل بعد ذلك للحبر والقلم فالخاتم .
وايضاً قواعد اللغة العربية دليلاً نستانس به على صحتها . وهناك عدد من أوثائق تعرف من نوع الورق وقاعدة خطها وأسلوب إنشائها وطريقة تاريخها وختمها من هنا نثبت عدم التزوير وخلوها من كل دس.
الفصل الثالث
تحري النص والمجيء باللفظ
وهذه مأثرة أخرى من مأثر علماء الحديث فأنهم قالوا بالأمانة في نقل الحديث وفرضوا وجوب تحري النص لأجل الوقوف على اللفظ الأصلي .
فالتاريخ علم في تحريه الحقيقة وكعلم يطلب الحقيقة كما هي .والأصول هي صلة المؤرخ الوحيدة بحوادث الماضي واذاً فهدف المؤرخ المنقب أن يتحقق من هذه الصلة ومن حرفية نص الشهادة التي فيها ثم يروي هذه الشهادة كما صدرت عن صاحبها الأصلي .
والأصول التاريخية ، من حيث تحري النص والمجيء باللفظ ، تكون على وجوه ثلاثة.فاما أن يكون الأصل بذاته أمامنا بخط واضعه أو بتصديقه ، واما أن الأصول مفقوداً ولم يبق منه سوى نسخة واحدة ، واما أن يكون الأصل قد فقد وبقيت عنه نسخ متعددة.
وعلى المؤرخ أن يبقي النص كما هو بحروفه وغلطاته حتى لا يتعرض الأصل إلى المخاطر.
و واذا لم يبقى عنه إلا نسخة واحدة في مثل هذا الظرف يترتب على المؤرخ المدقق ، أن يبدأ بدرس هذه النسخة درساً وافياً من جميع النواحي، ثم ينتقل إلى ترجمة مؤلفها، فالمصادر التي اخذ عنها وتآليفه الأخرى. والتعرف على أشهر كتاب العصر الذي عاش فيه المؤلف وزملائه ، واثبت في الهامش جميع ما ينبذه كما ورد في النسخة المعروضة .
واذا دفنت نسخة المؤلف الأصلية وبقي عنها نسخ متعددة في مثل هذه الحال يجتهد المؤرخ المدقق بنبذ بعض هذه النسخ ، واذا ظهر أن البعض يعتمد على سابقة .يقسم النسخ الباقية إلى فصائل متخذا الأغلاط المشتركة بينها قاعدة لهذا التقسيم.ثم يحاول استعادة اللفظ الأصلي بالمقابلة بين النسخ الباقية .
***
الباب الرابع
تنظيم العمل
يجدر بالمؤرخ المدقق بعد ولوج هذه الأبواب الثلاثة، أن ينسق ماجمع من الأصول ويتبع خطة علمية رشيدة في استخلاص المعلومات منها . وهذا التنسيق يعد في عرف المؤرخين دعامة كبرى في بناء التاريخ .
وتنظيم العمل يكون أن يعترف المؤرخ انه ليس بامكانه أن يعتمد على ذاكرته في العمل ، وأن يسلم بوجوب االقيد .ويترتب عليه أن يبتعد عن الدفاتر والأوراق المجلدة لأنه حين اذن يتقيد بترتيب خاص وقد تقضي الظروف بتغييره أو تعديله قبل الانتهاء من مهمة التأريخ واتخذ لتدوين أوراقاُ منثورة ويصبح حراً .
ووجوب على المؤرخ أن يشير إلى كل ورقة من ورقاته المنثورة إلى المرجع الذي استخلص منه محتويات هذه الورقات وذلك بذكر المؤلف والمجلد والصفحة.
وتجعل هذه الأوراق فهرساً عاماً وترتب ابجدياً .واحياناً قد يضطر المؤرخ إلى إهمال التنسيق على أساس زمن النصوص لاستحالة معرفة تواريخها فيكتفي بما تبقى لديه من سائر الأسس.
الباب الخامس
تفسير النص
وبانتهاء المؤرخ من نقد الأصول ، على الوجه الذي تقدم شرحه في الباب الثالث من هذا الكتاب ، ينتهي النقد الخارجي . ويتنقل المؤرخ من ظاهرة النص ومجرد اللفظ إلى باطن الكلام وفهم المعنى فيشرع في النقد الداخلي . والنقد الداخلي في مصطلح التاريخ على نوعين نقد داخلي ايجابي ونقد داخلي سلبي . فالايجابي يفسر النص ويظهر معناه . والسلبي يكشف الستار عن مأرب المؤلف واهوائه ودرجة تدقيقه في الرواية.
وتفسر النص، وهو موضوع هذا الباب ،يكون على وجهين :
أولهما تفسير ظاهر النص ، وثانيهما أدراك غرض المؤلف.فعلى المؤرخ المدقق المنقب، حيث يحاول تفسير ظاهر النص ، أن يلم أولاً بلغة الأصل الذي يدرس .وعليه أن يجيد فهم هذه اللغة كما عرفت واستعملت في العصر الذي عاش فيه راوي الرواية . فمعاني المفردات تتطور وتتغير أحير احياناً مع تطور الظروف وتغير الأحوال.
واذا شعر المؤرخ بشيء من الشك في فهم بعض هذه النص عليه أن يكمل القراءة لنص لعله يقف على ايضاح ماالتبس . وان اعياه ذلك فعليه بسائر كتب المؤلف .
***
الباب السادس
العدالة والضبط
وهنالك نقد داخلي سلبي ، يكشف الستار عن مآرب المؤلف وأهوائه ودرجة تدقيقه في الرواية ، فيظهر لنا مقدار ماعنده من العدالة والضبط أو ما ينقصه منها .
وقد قال علماء التاريخ شك المؤرخ رائد حكمته وقالوا الأصل في التاريخ الاتهام لا براءة الذمة .
وينحصر شك المؤرخ في سلسلتين أساسيتين من الأسئلة التي لابد الإجابة عنها لاخراج الحقائق التاريخية إلى صحن اليقين.
والسلسة الأولى تتعلق برأي الراوي في حقيقة مايروي لأنه قد يموه الباطل ويزين الخطأ. فيترتب على المؤرخ ، والحالة هذه أن يتساءل عن أمور عدة منها ما يأتي:
1- هل لراوي الرواية مصلحة فيما يروي ؟ وهل هو يزين لنا الامر ويحسنه فيعتمد الكذب ليسوقنا إلى استنتاج معين . واذا لم يكن كلامه شك ، تحرينا غرضة فيما يكتب.
2- هل خضع الراوي لظروف قاهر أكرهته على التلفيق والنطق بالبطل؟ . واذن فيجدر بالمؤرخ المدقق أن يتردد في صحة هذا النوع من الوثائق الرسمية إلى أن ينجلي الشك ويشرق نور اليقين.
3- هل شايع الراوي ، أو قاوم، فئة معينة من الناس حتى اضطر ، عن قصد أو عن غير قصد ، أن ينظر بعين الرضى إلى فئة التي انتمى اليها فيناصرها على الأخرى؟ .
4- وهل اندفع الراوي بشيء من الغرور والكبرياء لينطق بالبطل ويحيد عن الحق؟ وهل أقدم على مايروي بداعي المفاخرة أو المفاضلة أو المنافسة أو ماشابه ذلك؟ لابد من تفحص أخبار الراوي من هذه الناحية قبل الاعتماد على روايته.
5- وهل هل حاول الراوي أن يتودد إلى جمهور الناس أو أن يتملقهم أو يداريهم ؟
6- ومما يترقبه المؤرخ المدقق ولا يغفله طرفة عين الأسلوب الأدبي في الراوية .
وهناك سلسة ثانية من الأسئلة العلمية يتذرع بها المؤرخ للتوصل إلى فهم الراوي وإدراك مقدار ضبطه وهي كالسلسة الأولى مما أجمع عليه المؤرخون المعاصرون وإبداع في عرضه والتعبير عنه المؤرخ الافرنسي الشهير الأستاذ شارل لانجلوا. واليك أهمها:
1- هل كان الراوى يتمتع بحواس سليمة وعقل صحيح ؟ أم كان عرضة للخطأ من هذا القبيل.
2- هل يتمتع الراوي بجميع شروط المشاهدة العلمية ؟وهي مايلي: أولاً: أن يكون الراوي في مكان يتمكن فيه من مشاهدة الحوادث مشاهدة صحيحة.وثانياً:أن يكون الراوي في أثناء المشاهدة بعيد عن الغرض. وثالثاً:أن يدون ماشاهده في أثناء وقوع الحوادث المروية. ورابعاً: أن يوضح بجلاء تام طريقته في المشاهدة والتدوين.
3- وهناك حقائق كان بامكان الراوي أن يشاهدها ويفهمها لو كلف نفسه مؤونة البحث عنها.
4- وهل روى الراوي مالاتكتمل معرفته بمجرد المشاهدة لشخصية؟.
وأيضاً لم يغفل ابن خلدون عما توصل اليه علماء الحديث في هذا المضمار ولا على تطبيقة الروايات التاريخية وذكر ذلك في مقدمته الشهيرة ثم ذهب لتمحيص الأخبار .
الباب السابع
اثبات الحقائق المفردة
عند جمع كل الأصول وتذرعنا للعلوم الموصلة إلى فهمها ونقدناها فتثبتنا من صحتها وعينا تاريخها ومكان تدوينها .ثم تحرينا نصوصها وتوصلنا إلى فهم ظاهرها وباطنها . ودققنا في أخبار رواتها للتعرف إلى عدلتها وضبطها . ولنثبت الحقائق التاريخية يفضل بين الرواة وتعيين درجاتهم على الشكل التالي: راوٍ لاتقبل روايته وآخر ضعيف الرواية مجهول المكانة وثالث هو أولاهم في انتباهنا لسماع روايته ولكنه على هذا يظل موضوعاً للنظر والاختبار. واذا فالنقد الذي تذرعنا به لم يوصلنا إلى نتيجة ايجابية يمكننا الاعتماد عليها للتأكد من حقيقة الماضي ؛ ولم يقطع لنا في شيء سوى امر وحد وهو إسقاط رواية من لايعتمد عليه . وهي نتيجة سلبية.
فلابد للمؤرخ في هذه الحالة من متابعة البحث والتنقيب للوصول إلى طمأنينة وسلامة الاستنتاج .وعليه أولا أن يبتعد كل الابتعاد عن الروايات التي انفرد بها راوٍ واحد.
وقد اعترف علماء الحديث فجعلوا الحديث من هذه الناحية درجات أعلاها المتوتر .وشرطوا فيه أن يبلغ عدد المخبرين مبلغاً يمنع في العادة تواطؤهم على الكذب .
وقد تتعد الرويات التاريخية في أمر واحد فتتوافق أو تتناقض .
واذا ثبت تناقض فعلى المؤرخ مايلي:
1- أن يترفع عن اتخاذ موقف وسط بين الطرفين .
2- أن يعيد النظر في الطرفين لعله يكشف الستار عن عيب في احدى الروايتين لم ينتبه اليه أولا.
3- أن يمتنع عن الحكم بين الطرفين اذا عم الشك وبانت قلة الثقة.
واذا توافقت الروايات التاريخية يجدر بالمؤرخ المدقق أن يلتفت إلى امور عدة منها مايأتي:
1- عليه أن لايتسرع في الحكم فيظن أن جميع مالدية من الروايات هو من النوع الذي يعول عليه .
2- عليه أن يذكر أيضاً أن شدة الانطباق بين الرويات المختلفة توجب الشك لا الثقة.
3- وهناك تآلف بين الحقائق التاريخية لابد من الالتفات اليه والاستعارة هنا من علم الموسيقى .
الباب الثامن
الربط والتأليف
وبعد التثبت من صحة الروايات يشرع المؤرخ في التأليف وربط الروايات المختلفة . فينتقي البعض منها ويصرف النظر عن البعض الآخر ثم ينسق ما انتقى منها فينظمه ويجعله وحدة متجانسة متآلفة ما استطاع إلى ذلك سبيلا.
هناك حقائق مفردة مرتبطة بالتاريخ ولنتثبت من صحة الحقائق المفردة يكون واحداً من ثلاثة: اما أثراً ملموساً أو عملاً محدوداً أو دافعاً نفسياً معيناً.ولهذا يترتب على المؤرخ عند بدء العمل في ربط الحقائق المفردة وتأليفها أن يتخيل لنفسه من مظاهر المجتمع الحاضر ما يفترض وجوده في الماضي ثم ينظم حقائقه المفردة حول أساس ماتخيل وجودة بالقياس.
الانتقاء : ولا مفر من المفاضلة بين الحقائق المفردة والاستمساك ببعضها وصرف النظر عن البعض الآخر .
التنظيم والتأليف: وبعد المفاضلة والانتقاء يبداء المؤرخ بالتنسيق والتنظيم . فينظر إلى كل حقيقة من الحقائق المفردة من ناحيتين مختلفتين . الأولى من حيث وقوعها في زمن محدود وتعلقها بشخص معين. والثانية إلى التشابه بين الحقائق المفردة والى تكرار وقوعها وبإمكانه أن يقدمها لقرائه كقصة.
الباب التاسع
الاجتهاد
هنا يجتهد المؤرخ في تلافي ما قد يقع من فراغ . والاجتهاد في اللغة كما قال ابو حامد الغزالي : " هو عبارة عن بذل الجهود واستفراغ الوسع في فعل من الافعال ولايستعمل إلا فيما فيه كلفة وجهد .والاجتهاد التام أن يبذل الوسع في الطلب بحيث يحس من نفسه بالعجز عن مزيد من الطلب".
وهناك اجتهاد سلبي وهو ماعبر عنه المناطقة بقولهم"السكوت حجة" ومعناه أن يقول المؤرخ بان كذا و كذا لم يحدث لأن الأصول خاليه منه. وقبل التذرع بمثل هذه الحجة لابد من التأكد من ثلاث أمور هي:
1- أن يكون المؤرخ على يقين جازم من امر اطلاعه على جميع الأصول.
2- أن لايعتريه شك في أن مالديه من الأصول هو جميع مادوًنه السلف في الموضوع الذي يبحث .
3- أن يتأكد من استحالة السكوت في الأصول عن الموضوع الذي يدرس .
وهكذا فأن حجة السكوت لاتتم إلا اذا اقترن بالراوي حالتان لاتنفصلان : أولاهما :أن تكون الوقائع التي سكت عنها وقائع يهتم بها اهتمام شديد.والثانية: أن يكون الراوي قد صم على تدوين جميع الأخبار التي أحاط علماً ًبها.
الباب العاشر
التعليل والايضاح
هنا على المؤرخ أن يوضح الوقائع الماضية ويعلل الظواهر الظاهرة فلابد للمؤرخ المتعمق من التذرع بالفلسفة اذا ما أراد أن يقف على أسرار الحياة البشرية في الماضي .
وعلى هذا يفترض في التعليل والتوضيح مايأتي:
1- إن التاريخ يشمل جميع أخبار الماضي على أنواعها وفروعها.
2- وجوب التضلع من الفلسفة والعلوم الاجتماعية والجغرافية للاستبصار بها والتذرع بوسائلها وفهم الماضي من خلالها.
خلاصة القول على المؤرخ أن يبدأ باستعرض الحقائق وادراك نكهها ويكون في نفسه فكرة عنها ثم يبني عليع عملية في التعليل ولايضاح.
الباب الحادي عشر
العرض
بعد الانتهاء من التحليل والتحقيق والتنسيق والتنظيم والتعليل والايضاح لم يبق أمامنا سوى امر واحد وهو العرض . والعرض في عُرف المؤرخين يتوقف على مكانة القارئ واستعداده لتقبل ما نكتب.
وعند نعتني ببحث علمي دقيق يجدر بنا أن ننتبه إلى امور منها ما يأتي:
1- أن تكون رسالتنا وحدة تامة المعنى مرتبطة الاجزاء.
2- أن نفرق ما أمكنا بين المتن والهامش .
3- أن تتجلى أقوالنا بالأمانة والنزاهة بحيث تظهر بمظهر التعليل والايضاح.
4- أن نؤيد كل حقيقة من الحقائق المفردة التي نأتي على ذكرها في المتن باشارة في الهامش إلى المرجع الذي اخذت عنه.
5- أن نعرض الحقائق في المتن بترتيبها التاريخي كي نتأكد من صحة الاستنتاج .
تعليق الباحثة //
كثير ما نبحر بزورقنا الصغير ونجوب البحار لنستزيد من بحر المعرفة
وهنا اليوم ارسي بزورقي الصغير في بحر الدكتور" أسد رستم" لأصطاد من فكره، كل زورق عندما يبحر يحتاج لبوصلة لتخبره الاتجاهات وكانت بوصلتي دكتوري القدير " فكري "
أسدلت حبل صنارتي على ذلك البحر وكان صيدي مايلي:-
- سلسلة الأسلوب ورقي الطرح .
- سهولة الوصول إلى فكرة المطروحة بعيداً عن الملل.
- التمكن من المادة العلمية .
- دعمها بالدلائل والوثائق لضمان الصحة.
- تنسيق وتنظيم العمل .
- تطبيق ماجاء في محتوى العرض على العمل.
في النهاية اخرج من البحر بحكمة : " مهما كان البحر قديم لابد أن يحوي على الجواهر الثمينة".
جنون حرف ..
مصطلح التاريخ
وهو بحث في نقد الأصول
وتحري الحقائق التاريخية وايضاحها وعرضها
وفي مايقابل ذلك في علم الحديث
لمؤلفه
الدكتور أسد رُستم
احد اساتذة التاريخ في الجامعة اللبنانية
منشورات المكتبة البولسية
طبعة رابعة
1984
جميع الحقوق محفوظة
للمكتبة البولسية وللمؤلف
(لبنان)
منشورات المكتبة البولسية
شارع لبنان –بيروت ص-ت 9544-11لبنان
شارع القدييس بولس –جونية –ص,ب :521لبنان
هاتف :933052911561
مصطلح التاريخ
وهو بحث في نقد الأصول
وتحري الحقائق التاريخية وايضاحها وعرضها
وفي مايقابل ذلك في علم الحديث
لمؤلفه
الدكتور أسد رُستم
احد اساتذة التاريخ في الجامعة اللبنانية
منشورات المكتبة البولسية
المقدمة
أقدم التواريخ المدونة أسفار موسى الخمسة وأسفار يشوع وصموئيل فأنها دنت فيما يظهر حولي السنة 900 قبل الميلاد .وأول من حاول نقد الرويات التاريخية هكتاريوس الملطي اليوناني . فأنه كتب في القرن السادس قبل الميلاد في أصل الشعب اليوناني .
وأول من نظم نقد الروايات التاريخية ووضع القواعد لذلك علماء الدين الإسلامي .
وجاء عبد الرحمن بن خلدون في القرن الرابع عشر (1332-1406) فكتب في مقدمته في "طبائع العمران" وجعل من هذه الطائع محكاً علمياً لنقد الأخبار التاريخية وتمحيصها فسجل بذلك فوز كبيراً.
وأدت الاكتشافات الجغرافية واليقظات العلمية الفنية والمنازعات الدينية والمطامع السياسية والوثبات الفلسفية في القرون الحديثة في أوروبة إلى الرجوع إلى الماضي وتقليب صفحاته والاهتمام بأخباره.
وأول من نادى بنقل التاريخ من ميادين الخصام إلى مجلس الدروس والتدقيق العالم الايطالي جيوفني فيكو اصدر كتابه (أصول علم الجديد) اعتبر به التاريخ فرعاً من علم الاجتماع الإنساني.
في اوربه في القرن السادس عشر قام علماء مؤرخون في دول الغرب يعنون بجمع المصادر بدافع الاعتزاز بالماضي.
وفي القرن التاسع عشر امن رهط من العلماء الألمان بالنقد وجعلوا من ألمانية أساتذة للعالم بأسره في فن التاريخ الحديث.
وزعيم ؤلاء دون منازع هوليوبولد فون رانكي (1795-1886).
وساهم المؤرخون الافرنسيون مساهمة قيمة في نقد المراجع الأولية بعمليهم العظيم في مدرسة الوثائق التاريخية التي اسسوها في سنة 1821.
وسرت عدوى هذا التدقيق في المراجع من ألمانية وفرنسة إلى بريطانية وفي متصف القرن التاسع عشر أمً مدارس المانية عدد من الطلاب الامريكين درسوا التاريخ بالأسلوب الجديد وأشهرهم هنري ادمز.
تحدث الكاتب هنا عن عهده بهذا العلم وجمعه أهم المؤلفات وكان عدد منها باللغة الأجنبية ، وذكر احتفال سوريا بمرور الف سنة على وفاة المتنبي وتحدث عن المكتبة الظاهرية .
اخيراَ علم التاريخ يعوزه مايعوز سائر العلوم الأخرى لابد أن ينشاء نشأة علمية خالصة يتربى بها على الشروط الفنية.
أسد رستم
عن لشوير لبنان في 12 أيلول سنة 1939
عن رأس بيروت في 2نيسان سنة 1955
الباب الأول
التقميش
اذا ضاعت الأصول ضاع التاريخ معها. لذلك التاريخ يقوم على الآثار التي خلفتها عقول السلف أو ايديهم. لذا على المؤرخين أن يتفرغوا للبحث عن شتى الآثار والتي تختلف عن السلف ، اصطلاح تسمى أصولا .
والأصول لدى المؤرخ هي جميع الآثار التي تختلف عن السلف فالرسائل الواردة إلى مجلس محمد علي باشا والصادرة عنه هي أصول لتاريخ. وايضاً تاريخ الشيخ عبدالرحمن الجبرتي أصل من الأصول.
ونسمي أولى خطوات المؤرخ المدقق المنقب التقميش فيجب أن يعني بتقميش الأصول .
***
الباب الثاني
العلوم الموصلة
لنتمكن من الوصول إلى الحقيقة .ينقب المؤرخ ماقمش وينعم النظر فيه ليستعمله في تشييد مايبنى من صروح التاريخ واذا فعل سرعان مايشعر بحاجته إلى مانريد أن نسميه بالعربية العلوم الموصلة.والاستعارة في هذه التسمية من علم التفسير .
وقد وجد في النصف الأول من القرن التاسع أن الأصول لهذه الحقبة من تاريخنا ترد في العربية والتركية والافرنسية والانكليزية والألمانية والايطالية والبولونية والروسية وأهمها اللغات الخمس الأولى.
ولدى إعادة النظر في بعض ماعثر عليه من الأصول المشار اليها ألفيناه رسائل رسمية متبادلة بين حكام ذلك العصر توخى كاتبها نوعا خاصاً من الخط العربي وهو الديواني المعلق .ولابد من دراسة هذا الخط للتأكد من قراءة الأصول المكتوبة به.
والامر نفسه على الأختام المستعملة في الرسائل فلابد من معرفة المواد المصنوعة منها .
لذا يشعر المؤرخ في هذه الحقبة من تاريخ العرب بحاجة إلى أبحاث علمية في أصول المخابرات الرسمية .
ولابد للمؤرخ العصري من التبحر في العلوم الاجتماعية والفلسفية ليتوصل إلى العوامل الأساسية .
***
الباب الثالث
نقد الأصول
الفصل الأول
التزوير في الأصول والدروس فيها ووجوب التثبت من صحتها وأصالتها
لابد أن يتربص المؤرخ في أصل ما لدية من أصول حتى لايقع في التضليل والتزوير ، وضياع الوقت سدى.
فنقوم بفحص الوثائق التاريخية فنتذرع بما يسميه المؤرخون الدليل الظاهري والباطني .فلنبدأ بالظاهر الملموس ولندقق بالورق أولاً ثم ننتقل بعد ذلك للحبر والقلم فالخاتم .
وايضاً قواعد اللغة العربية دليلاً نستانس به على صحتها . وهناك عدد من أوثائق تعرف من نوع الورق وقاعدة خطها وأسلوب إنشائها وطريقة تاريخها وختمها من هنا نثبت عدم التزوير وخلوها من كل دس.
الفصل الثالث
تحري النص والمجيء باللفظ
وهذه مأثرة أخرى من مأثر علماء الحديث فأنهم قالوا بالأمانة في نقل الحديث وفرضوا وجوب تحري النص لأجل الوقوف على اللفظ الأصلي .
فالتاريخ علم في تحريه الحقيقة وكعلم يطلب الحقيقة كما هي .والأصول هي صلة المؤرخ الوحيدة بحوادث الماضي واذاً فهدف المؤرخ المنقب أن يتحقق من هذه الصلة ومن حرفية نص الشهادة التي فيها ثم يروي هذه الشهادة كما صدرت عن صاحبها الأصلي .
والأصول التاريخية ، من حيث تحري النص والمجيء باللفظ ، تكون على وجوه ثلاثة.فاما أن يكون الأصل بذاته أمامنا بخط واضعه أو بتصديقه ، واما أن الأصول مفقوداً ولم يبق منه سوى نسخة واحدة ، واما أن يكون الأصل قد فقد وبقيت عنه نسخ متعددة.
وعلى المؤرخ أن يبقي النص كما هو بحروفه وغلطاته حتى لا يتعرض الأصل إلى المخاطر.
و واذا لم يبقى عنه إلا نسخة واحدة في مثل هذا الظرف يترتب على المؤرخ المدقق ، أن يبدأ بدرس هذه النسخة درساً وافياً من جميع النواحي، ثم ينتقل إلى ترجمة مؤلفها، فالمصادر التي اخذ عنها وتآليفه الأخرى. والتعرف على أشهر كتاب العصر الذي عاش فيه المؤلف وزملائه ، واثبت في الهامش جميع ما ينبذه كما ورد في النسخة المعروضة .
واذا دفنت نسخة المؤلف الأصلية وبقي عنها نسخ متعددة في مثل هذه الحال يجتهد المؤرخ المدقق بنبذ بعض هذه النسخ ، واذا ظهر أن البعض يعتمد على سابقة .يقسم النسخ الباقية إلى فصائل متخذا الأغلاط المشتركة بينها قاعدة لهذا التقسيم.ثم يحاول استعادة اللفظ الأصلي بالمقابلة بين النسخ الباقية .
***
الباب الرابع
تنظيم العمل
يجدر بالمؤرخ المدقق بعد ولوج هذه الأبواب الثلاثة، أن ينسق ماجمع من الأصول ويتبع خطة علمية رشيدة في استخلاص المعلومات منها . وهذا التنسيق يعد في عرف المؤرخين دعامة كبرى في بناء التاريخ .
وتنظيم العمل يكون أن يعترف المؤرخ انه ليس بامكانه أن يعتمد على ذاكرته في العمل ، وأن يسلم بوجوب االقيد .ويترتب عليه أن يبتعد عن الدفاتر والأوراق المجلدة لأنه حين اذن يتقيد بترتيب خاص وقد تقضي الظروف بتغييره أو تعديله قبل الانتهاء من مهمة التأريخ واتخذ لتدوين أوراقاُ منثورة ويصبح حراً .
ووجوب على المؤرخ أن يشير إلى كل ورقة من ورقاته المنثورة إلى المرجع الذي استخلص منه محتويات هذه الورقات وذلك بذكر المؤلف والمجلد والصفحة.
وتجعل هذه الأوراق فهرساً عاماً وترتب ابجدياً .واحياناً قد يضطر المؤرخ إلى إهمال التنسيق على أساس زمن النصوص لاستحالة معرفة تواريخها فيكتفي بما تبقى لديه من سائر الأسس.
الباب الخامس
تفسير النص
وبانتهاء المؤرخ من نقد الأصول ، على الوجه الذي تقدم شرحه في الباب الثالث من هذا الكتاب ، ينتهي النقد الخارجي . ويتنقل المؤرخ من ظاهرة النص ومجرد اللفظ إلى باطن الكلام وفهم المعنى فيشرع في النقد الداخلي . والنقد الداخلي في مصطلح التاريخ على نوعين نقد داخلي ايجابي ونقد داخلي سلبي . فالايجابي يفسر النص ويظهر معناه . والسلبي يكشف الستار عن مأرب المؤلف واهوائه ودرجة تدقيقه في الرواية.
وتفسر النص، وهو موضوع هذا الباب ،يكون على وجهين :
أولهما تفسير ظاهر النص ، وثانيهما أدراك غرض المؤلف.فعلى المؤرخ المدقق المنقب، حيث يحاول تفسير ظاهر النص ، أن يلم أولاً بلغة الأصل الذي يدرس .وعليه أن يجيد فهم هذه اللغة كما عرفت واستعملت في العصر الذي عاش فيه راوي الرواية . فمعاني المفردات تتطور وتتغير أحير احياناً مع تطور الظروف وتغير الأحوال.
واذا شعر المؤرخ بشيء من الشك في فهم بعض هذه النص عليه أن يكمل القراءة لنص لعله يقف على ايضاح ماالتبس . وان اعياه ذلك فعليه بسائر كتب المؤلف .
***
الباب السادس
العدالة والضبط
وهنالك نقد داخلي سلبي ، يكشف الستار عن مآرب المؤلف وأهوائه ودرجة تدقيقه في الرواية ، فيظهر لنا مقدار ماعنده من العدالة والضبط أو ما ينقصه منها .
وقد قال علماء التاريخ شك المؤرخ رائد حكمته وقالوا الأصل في التاريخ الاتهام لا براءة الذمة .
وينحصر شك المؤرخ في سلسلتين أساسيتين من الأسئلة التي لابد الإجابة عنها لاخراج الحقائق التاريخية إلى صحن اليقين.
والسلسة الأولى تتعلق برأي الراوي في حقيقة مايروي لأنه قد يموه الباطل ويزين الخطأ. فيترتب على المؤرخ ، والحالة هذه أن يتساءل عن أمور عدة منها ما يأتي:
1- هل لراوي الرواية مصلحة فيما يروي ؟ وهل هو يزين لنا الامر ويحسنه فيعتمد الكذب ليسوقنا إلى استنتاج معين . واذا لم يكن كلامه شك ، تحرينا غرضة فيما يكتب.
2- هل خضع الراوي لظروف قاهر أكرهته على التلفيق والنطق بالبطل؟ . واذن فيجدر بالمؤرخ المدقق أن يتردد في صحة هذا النوع من الوثائق الرسمية إلى أن ينجلي الشك ويشرق نور اليقين.
3- هل شايع الراوي ، أو قاوم، فئة معينة من الناس حتى اضطر ، عن قصد أو عن غير قصد ، أن ينظر بعين الرضى إلى فئة التي انتمى اليها فيناصرها على الأخرى؟ .
4- وهل اندفع الراوي بشيء من الغرور والكبرياء لينطق بالبطل ويحيد عن الحق؟ وهل أقدم على مايروي بداعي المفاخرة أو المفاضلة أو المنافسة أو ماشابه ذلك؟ لابد من تفحص أخبار الراوي من هذه الناحية قبل الاعتماد على روايته.
5- وهل هل حاول الراوي أن يتودد إلى جمهور الناس أو أن يتملقهم أو يداريهم ؟
6- ومما يترقبه المؤرخ المدقق ولا يغفله طرفة عين الأسلوب الأدبي في الراوية .
وهناك سلسة ثانية من الأسئلة العلمية يتذرع بها المؤرخ للتوصل إلى فهم الراوي وإدراك مقدار ضبطه وهي كالسلسة الأولى مما أجمع عليه المؤرخون المعاصرون وإبداع في عرضه والتعبير عنه المؤرخ الافرنسي الشهير الأستاذ شارل لانجلوا. واليك أهمها:
1- هل كان الراوى يتمتع بحواس سليمة وعقل صحيح ؟ أم كان عرضة للخطأ من هذا القبيل.
2- هل يتمتع الراوي بجميع شروط المشاهدة العلمية ؟وهي مايلي: أولاً: أن يكون الراوي في مكان يتمكن فيه من مشاهدة الحوادث مشاهدة صحيحة.وثانياً:أن يكون الراوي في أثناء المشاهدة بعيد عن الغرض. وثالثاً:أن يدون ماشاهده في أثناء وقوع الحوادث المروية. ورابعاً: أن يوضح بجلاء تام طريقته في المشاهدة والتدوين.
3- وهناك حقائق كان بامكان الراوي أن يشاهدها ويفهمها لو كلف نفسه مؤونة البحث عنها.
4- وهل روى الراوي مالاتكتمل معرفته بمجرد المشاهدة لشخصية؟.
وأيضاً لم يغفل ابن خلدون عما توصل اليه علماء الحديث في هذا المضمار ولا على تطبيقة الروايات التاريخية وذكر ذلك في مقدمته الشهيرة ثم ذهب لتمحيص الأخبار .
الباب السابع
اثبات الحقائق المفردة
عند جمع كل الأصول وتذرعنا للعلوم الموصلة إلى فهمها ونقدناها فتثبتنا من صحتها وعينا تاريخها ومكان تدوينها .ثم تحرينا نصوصها وتوصلنا إلى فهم ظاهرها وباطنها . ودققنا في أخبار رواتها للتعرف إلى عدلتها وضبطها . ولنثبت الحقائق التاريخية يفضل بين الرواة وتعيين درجاتهم على الشكل التالي: راوٍ لاتقبل روايته وآخر ضعيف الرواية مجهول المكانة وثالث هو أولاهم في انتباهنا لسماع روايته ولكنه على هذا يظل موضوعاً للنظر والاختبار. واذا فالنقد الذي تذرعنا به لم يوصلنا إلى نتيجة ايجابية يمكننا الاعتماد عليها للتأكد من حقيقة الماضي ؛ ولم يقطع لنا في شيء سوى امر وحد وهو إسقاط رواية من لايعتمد عليه . وهي نتيجة سلبية.
فلابد للمؤرخ في هذه الحالة من متابعة البحث والتنقيب للوصول إلى طمأنينة وسلامة الاستنتاج .وعليه أولا أن يبتعد كل الابتعاد عن الروايات التي انفرد بها راوٍ واحد.
وقد اعترف علماء الحديث فجعلوا الحديث من هذه الناحية درجات أعلاها المتوتر .وشرطوا فيه أن يبلغ عدد المخبرين مبلغاً يمنع في العادة تواطؤهم على الكذب .
وقد تتعد الرويات التاريخية في أمر واحد فتتوافق أو تتناقض .
واذا ثبت تناقض فعلى المؤرخ مايلي:
1- أن يترفع عن اتخاذ موقف وسط بين الطرفين .
2- أن يعيد النظر في الطرفين لعله يكشف الستار عن عيب في احدى الروايتين لم ينتبه اليه أولا.
3- أن يمتنع عن الحكم بين الطرفين اذا عم الشك وبانت قلة الثقة.
واذا توافقت الروايات التاريخية يجدر بالمؤرخ المدقق أن يلتفت إلى امور عدة منها مايأتي:
1- عليه أن لايتسرع في الحكم فيظن أن جميع مالدية من الروايات هو من النوع الذي يعول عليه .
2- عليه أن يذكر أيضاً أن شدة الانطباق بين الرويات المختلفة توجب الشك لا الثقة.
3- وهناك تآلف بين الحقائق التاريخية لابد من الالتفات اليه والاستعارة هنا من علم الموسيقى .
الباب الثامن
الربط والتأليف
وبعد التثبت من صحة الروايات يشرع المؤرخ في التأليف وربط الروايات المختلفة . فينتقي البعض منها ويصرف النظر عن البعض الآخر ثم ينسق ما انتقى منها فينظمه ويجعله وحدة متجانسة متآلفة ما استطاع إلى ذلك سبيلا.
هناك حقائق مفردة مرتبطة بالتاريخ ولنتثبت من صحة الحقائق المفردة يكون واحداً من ثلاثة: اما أثراً ملموساً أو عملاً محدوداً أو دافعاً نفسياً معيناً.ولهذا يترتب على المؤرخ عند بدء العمل في ربط الحقائق المفردة وتأليفها أن يتخيل لنفسه من مظاهر المجتمع الحاضر ما يفترض وجوده في الماضي ثم ينظم حقائقه المفردة حول أساس ماتخيل وجودة بالقياس.
الانتقاء : ولا مفر من المفاضلة بين الحقائق المفردة والاستمساك ببعضها وصرف النظر عن البعض الآخر .
التنظيم والتأليف: وبعد المفاضلة والانتقاء يبداء المؤرخ بالتنسيق والتنظيم . فينظر إلى كل حقيقة من الحقائق المفردة من ناحيتين مختلفتين . الأولى من حيث وقوعها في زمن محدود وتعلقها بشخص معين. والثانية إلى التشابه بين الحقائق المفردة والى تكرار وقوعها وبإمكانه أن يقدمها لقرائه كقصة.
الباب التاسع
الاجتهاد
هنا يجتهد المؤرخ في تلافي ما قد يقع من فراغ . والاجتهاد في اللغة كما قال ابو حامد الغزالي : " هو عبارة عن بذل الجهود واستفراغ الوسع في فعل من الافعال ولايستعمل إلا فيما فيه كلفة وجهد .والاجتهاد التام أن يبذل الوسع في الطلب بحيث يحس من نفسه بالعجز عن مزيد من الطلب".
وهناك اجتهاد سلبي وهو ماعبر عنه المناطقة بقولهم"السكوت حجة" ومعناه أن يقول المؤرخ بان كذا و كذا لم يحدث لأن الأصول خاليه منه. وقبل التذرع بمثل هذه الحجة لابد من التأكد من ثلاث أمور هي:
1- أن يكون المؤرخ على يقين جازم من امر اطلاعه على جميع الأصول.
2- أن لايعتريه شك في أن مالديه من الأصول هو جميع مادوًنه السلف في الموضوع الذي يبحث .
3- أن يتأكد من استحالة السكوت في الأصول عن الموضوع الذي يدرس .
وهكذا فأن حجة السكوت لاتتم إلا اذا اقترن بالراوي حالتان لاتنفصلان : أولاهما :أن تكون الوقائع التي سكت عنها وقائع يهتم بها اهتمام شديد.والثانية: أن يكون الراوي قد صم على تدوين جميع الأخبار التي أحاط علماً ًبها.
الباب العاشر
التعليل والايضاح
هنا على المؤرخ أن يوضح الوقائع الماضية ويعلل الظواهر الظاهرة فلابد للمؤرخ المتعمق من التذرع بالفلسفة اذا ما أراد أن يقف على أسرار الحياة البشرية في الماضي .
وعلى هذا يفترض في التعليل والتوضيح مايأتي:
1- إن التاريخ يشمل جميع أخبار الماضي على أنواعها وفروعها.
2- وجوب التضلع من الفلسفة والعلوم الاجتماعية والجغرافية للاستبصار بها والتذرع بوسائلها وفهم الماضي من خلالها.
خلاصة القول على المؤرخ أن يبدأ باستعرض الحقائق وادراك نكهها ويكون في نفسه فكرة عنها ثم يبني عليع عملية في التعليل ولايضاح.
الباب الحادي عشر
العرض
بعد الانتهاء من التحليل والتحقيق والتنسيق والتنظيم والتعليل والايضاح لم يبق أمامنا سوى امر واحد وهو العرض . والعرض في عُرف المؤرخين يتوقف على مكانة القارئ واستعداده لتقبل ما نكتب.
وعند نعتني ببحث علمي دقيق يجدر بنا أن ننتبه إلى امور منها ما يأتي:
1- أن تكون رسالتنا وحدة تامة المعنى مرتبطة الاجزاء.
2- أن نفرق ما أمكنا بين المتن والهامش .
3- أن تتجلى أقوالنا بالأمانة والنزاهة بحيث تظهر بمظهر التعليل والايضاح.
4- أن نؤيد كل حقيقة من الحقائق المفردة التي نأتي على ذكرها في المتن باشارة في الهامش إلى المرجع الذي اخذت عنه.
5- أن نعرض الحقائق في المتن بترتيبها التاريخي كي نتأكد من صحة الاستنتاج .
تعليق الباحثة //
كثير ما نبحر بزورقنا الصغير ونجوب البحار لنستزيد من بحر المعرفة
وهنا اليوم ارسي بزورقي الصغير في بحر الدكتور" أسد رستم" لأصطاد من فكره، كل زورق عندما يبحر يحتاج لبوصلة لتخبره الاتجاهات وكانت بوصلتي دكتوري القدير " فكري "
أسدلت حبل صنارتي على ذلك البحر وكان صيدي مايلي:-
- سلسلة الأسلوب ورقي الطرح .
- سهولة الوصول إلى فكرة المطروحة بعيداً عن الملل.
- التمكن من المادة العلمية .
- دعمها بالدلائل والوثائق لضمان الصحة.
- تنسيق وتنظيم العمل .
- تطبيق ماجاء في محتوى العرض على العمل.
في النهاية اخرج من البحر بحكمة : " مهما كان البحر قديم لابد أن يحوي على الجواهر الثمينة".
جنون حرف ..