النوخذة
13-01-2006, 05:05 PM
لمحات تاريخية عن الإمارات العقيلية العامرية
«بنو خَفَاجَهْ وبنو هًلاَل وآل الـمُسَيْب»
كتب:أحمد بن محارب الظفيري
عندما تكون الدولة المركزية برئاسة خليفة المسلمين قوية في المحاسبة والملاحظة وادارة الامور فانها تفرض هيبتها على جميع رعاياها الخاضعين لحكمها، وتبسط الامن والامان بقوة القانون وحزم الولاة، في كل بقاع اراضيها البعيدة والقريبة ويكون رأس الدولة الذي هو خليفة المسلمين هو صاحب الامر النافذ المطاع، فبيده الحل والربط بعد مشاورة بطانته التي تعاونه في ابداء الرأي وصياغة الاوامر وتوجيهها الى الاشخاص المناط بهم تنفيذها في اي مكان وفي اي مرفق من مرافق الدولة. والمعروف عن العرب وخصوصا ابناء القبائل العربية انهم يخضعون الى الدولة في ايام عزها وقوتها، ولكنها عندما تضعف وتبدأ بالانحدار والتمزق فان ابناء قبائل العرب في البوادي والارياف يلجأون الى اعرافهم وتقاليدهم القبلية، فتصبح القبيلة بالنسبة لهم هي الدولة والوطن ويصبح شيخ القبيلة، هو الرمز والمرجع في كل الامور (وشيوخ قبائل العرب البدوية عاديون وليسوا دكتاتوريين منذ الجاهلية والى اليوم) اما خليفة المسلمين الرسمي فلا يـأبه له أحد لانه ضعيف واموره بيد غيره، لقد ضاع من اسمه بريق الخلافة وفقد هيبتها، وهذا هو ما حصل فعلا مع خلفاء الدولة العباسية أيام العصر العباسي الثالث، حيث تمكن البويهيون الفرس من السيطرة على الدولة من سنة 334هـ/ 945م الى سنة 447هـ/1055م واصبح الخليفة العباسي ألعوبة في ايديهم لا يحل ولا يربط. ثم زال حكم ملوك بني بويه، وجاء بعدهم السلجوقيون الاتراك فحكموا في فترة العصر العباسي الرابع من سنة 447هـ/1055م الى سنة 547هـ/1152م وخلال فترة حكمهم كان اسم الخليفة يظهر احيانا ثم يخفت. ولكن للأمانة العلمية نقول: ان السلاجقة الاتراك كانوا ارحم واشفق على الدين والخليفة من سابقيهم البويهيين الفرس.
كانت اوضاع الدولة العباسية خلال هاتين الفترتين وما تلاهما بين مد وجزر من ناحية القوة والضعف، وحالة الضعف هي البائنة والظاهرة للعيان، وكان الخليفة العباسي يكتفي في اكثر الاحيان بترديد اسمه على المنابر فقط، وكان اخوال الخلفاء واصهارهم من فرس وترك وصقالبه، اضافة الى الجواري والغلمان التي تعج بها قصور الخلفاء وقصور الطبقات المترفة، كانت هذه الطبقات وما يلتف حولها من عناصر غير عربية هي المسيطرة على زمام الامور، وكانت لا تهتم الا بمصالحها الخاصة، ونتيجة لهذا الوضع السيئ توجه كبار رجالات العرب سواء من كان منهم بالحكم او خارجه الى الاتصال والارتباط العضوي بقبائلهم العربية المنتشرة في اطراف الدولة في البوادي والارياف، واصبح شيخ القبيلة هو الرمز، وباشرت هذه القبائل للمحافظة على وجودها العربي على الارض التي فتحها اجدادهم واورثوهم اياها. وكانت هذه القبائل ما زالت كما هي نقية صافية باخلاقها وعاداتها ومثلها العربية الإسلامية، وكانت مصيبتهم في خليفتهم الذي فقد هيبته واختلطت دماؤه العربية بدماء فارسية وتركية وغيرهما.
في هذه الفترة المضطربة السيئة التي تعيشها الدولة العباسية، تحركت احدى عشائر اكبر قبيلة عربية في ذلك الزمان والتي تضم فروعاً كثيرة ذائعة الصيت، ونعني بهذه القبيلة الكبيرة هي قبيلة (بني عُقَيْل) فمن فروع (عشائر) هذه القبيلة العقيلية تكونت عدة إمارات (دول) عربية حفظ لنا التاريخ أسماءها واسماء رجالاتها الأفذاذ، الذين مازالت اسماؤهم وقصصهم تتردد حتى هذا اليوم في دوواين عربان هذا الزمان، فالموروث الشعبي يحفظ الكثير من أخبار هذه العشائر العقيلية، ومنها سيرة وتغريبة (بني هلال) وهم كما نعلم من عشائر (فروع) بني عُقَيْل الذي يدور حولهم موضوعنا هذا.
لمحات من تاريخ قبيلة بني عُقَيْل وفرعيها بني خَفَاجْة وبني هًلاَل
قبيلة (بني عُقَيْل)، هي قبيلة عربية ذائعة الصيت في التاريخ العربي، ولقد ذكر القاضي عبدالرحمن بن محمد بن خلدون (ت 808هـ/1405م) في كتابه (العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر) في الجزء الرابع ص 254 الى ص 271 كلاماً كثيراً عن قبيلة (بني عُقَيْل) مختصر هذا الكلام هو ان قبيلة عُقَيْل من ذرية كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان. ويذكر ابن خلدون، ان بني عُقَيْل كانت لهم إمارة في الكوفة والبلاد الفراتية، وبقيت هذه البلاد بايديهم حتى غلبهم عليها السلجوقيون فتحولوا الى البحرين. وينتسب الى بني عُقَيْل بنو خفاجة إلا ان ذرية خفاجة استقلت باسمها وكونت لها قبيلة لوحدها. وهذه هي سلسلة نسب خفاجة (خفاجة بن عمرو بن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بم خصفة بن قيس عيلان). وخفاجة هو اسم امرأة انجبت أولادا كثرا فتسموا أولادها باسمها حيث يقال لهم (أبناء أو أولاد خفاجة). والى خفاجة ينتسب (توبه بن الحُمَيًّر) المقتول سنة 55 هـ صاحب الفتاة الخفاجية (ليلى الأخيلية). وكانت تقطن قبيلة خفاجة بنواحي الكوفة وبرز وجودها في القرنين الرابع والخامس الهجريين وكوّن الخفاجيون لهم إمارة في الكوفة سنة 374هـ بزعامة (ابو طريف عليان بن ثَمَّال الخفاجي). ومن امرء خفاجة الذائعي الصيت الى يومنا هذا في قصص الموروث الشعبي (الامير عامر الخفاجي) الذي ينسب اليه عربان هذا الزمان (قصر الأخيضر) فيسمونه بـ (قصر الخفاجي عامر) ويقولون ان هذا القصر هو مقر إمارته وقصر حكمه، ويزعم بدو هذا الزمان ان باني القصر هو الأمير عامر الخفاجي الذي جاء ذكره في سيرة بني هلال ويرجح زعم هولاء العربان هو ان الثابت تاريخياً ان قبيلة خفاجة كانت تقطن البادية التي تحيط بالقصر من كل جوانبه ولمسافات بعيدة جداً. ويقع هذا القصر في البادية الى الجنوب الغربي من محافظة كربلاء العراقية بمسافة 50 كيلو متراً. ويتردد اسم الخفاجي عامر في قصص عربان هذا الزمان عندما يتسامرون في الليالي الصحراوية المقمرة ويتبادلون حكايات واحداث سيرة وتغريبة قبيلة (بني هلال) فهم يقولون: ان الأمير الخفاجي عامر قد سحره جمال احدى بنات قبيلة بني هلال عند مرورهم بديرته فتولع قلبه بهذه الغادة المزيونة الهلالية وترك امارته وسافر معهم الى مصر ثم الى بلاد تونس وترك اسرته وديار قبيلته وامارته في بادية كربلاء والسماوة.
ويقول أعراب اليوم: عندما صمم الخفاجي عامر على المسير مع عربان بني هلال في تغريبتهم جعلته امه وديعة في عنق الفارس الهلالي ذياب بن غانم، حيث خاطبت ذيابا بهذا البيت من الشعر الشعبي:
ولديْ وديعْ ذيابْ ابنْ غانمْ
حيثْ انهْ سيفي من السيوفْ شطيرْ
فرد عليها ذياب بهذا البيت الشعبي:
ودعتيْ ولدكْ ذيابْ ابنْ غانمْ
وسُمرْ اللياليْ ما لهنْ وديعْ
ولما غرب بنو هلال وغادروا ديار خفاجة تذكرت والدة الخفاجي عامر ابنها وأخذت تتوجد وتتحسر عليه بهذه الأبيات الشعبية:
يا ويلديْ منْ يومْ انا حاملي بهْ
وأنا أحسْ بكبديْ تقلْ شوكْ بخيعْ
يا ويلديْ حاكمْ على تسعينْ قريهْ
بها منْ يشتريْ وبها منْ يبيعْ
يامرْ على بيبانها ما يغلّقّن
يخافْ على هتاش العراقْ يضيعْ
شرح البيت الأول: تقول انها منذ ان حملت بولدها (الخفاجي عامر) وهي تحس وكأن في كبدها شوك شجر الطلح (بخيع).
شرح البيت الثاني: تقول: ان ولدها حاكم على تسعين قرية فيها من يشتري وفيها من يبيع.
شرح البيت الثالث: تقول: ان ولدي (الخفاجي عامر) بحكم كونه هو الأمير على هذه القرى فان يأمر حراس أبواب هذه القرى الواقعة على مشارف البادية بان لا يغلقوا الأبواب وأن يجعلوا هذه القرى مفتوحة للناس لأنه يخاف على القادم (هتّاش - الاتي ليلاً) الى العراق يضيع.
ذكر أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي (ت 328هـ) صاحب كتاب (العقد الفريد) في الجزء الثالث ص354 ان قبيلة (بني هلال) من القبائل التي تنتسب الى عامر بن صعصعة من هوزان من قيس عيلان العدنانية.
ومن بني هلال ميمونة زوجة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - و منهم أيضاً الشاعر الشهير في كتب الأدب العربي حُمْيد بن ثَوْر الهًلاَلي العامري.
ومن القبائل العامرية العدنانية التي ترجع الى عامر بن صعصعة ذكر ابن عبد ربه الأندلسي قبيلتي (بني كلاب) و(بني نُميرْ).
امارة آل المسيّب العقيلية في الموصل: قامت هذه الامارة (الدولة) العقيلية على يد مؤسسها الاول الامير (ابي محمد المقلد بن المسيب العقيلي)، حيث تمكن في سنة 380هـ بحنكته وجهده وبمساعدة قبيلته ان يكون له دولة او إمارة في منطقة الموصل، ثم تمكن بعد ذلك من ضم مدينة الكوفة وباديتها الى دولته.
في سنة 382 حاول الملك البويهي بهاء الدولة، القضاء على إمارة آل المسيب وابعاد قبيلة عُقَيْل عن الموصل، فأرسل جيشا بقيادة ابي جعفر الحجاج بن هرمز، وجرت له عدة وقائع مع قبيلة عقيل التي يقودها احد شيوخها الكبار وهو: (ابو الذواد محمد بن المسيب العقيلي) ـ شقيق امير عقيل المقلد ـ وتمكن العقيليون من كسر شوكة جيش الحجاج بن هرمز وطرده من الموصل.
اختهم الكبيرة (رُهَيْلة) تركب جملها وتصلح الامور بين آل المسيب.
في سنة 378 هـ تمرد الشيخ (علي بن المسيب العقيلي) على اخيه الامير [المقلد بن المسيب العقيلي] وتمكن المقلد من القضاء على التمرد وسجن اخيه علي، فثار اولاد الشيخ علي يعاونهم عمهم الشيخ (الحسن بن المسيب العقيلي)، لمحاربة امير الدولة المقلد بن المسيب الذي جمع جموعا من الاعراب كثيرة للقضاء على المتمردين. ولكن اخت ابناء المسيب الكبيرة المسماة (رهيلة بنت المسيب العقيلي) نصبت هودجها على جملها وتوجهت الى اخيها الامير المقلد الذي استقبلها خير استقبال مرحبا بها غاية الترحيب، فأصلحت ذات البين بن آل المسيب ونجحت وساطتها بين اخوتها وابناء عمومتها، فاطلق المقلد اخاه عليا ورد اليه امواله ونصب له خياما بالقرب من مخيمه وتحالفا فيما بينهما، فسر الناس بذلك وانتشرت اخبار الصلح عند كل عربان البوادي.
المقلد العقيلي يطرد حاكم دقوقا البويهي
في سنة 390هـ مات الشيخ (علي بن المسيب العقيلي)، فاستقر الامر لامير الدولة (المقلد بن المسيب العقيلي) بعد وفاة اخيه، وفي نفس هذه السنة سار الامير المقلد الى بلدة دقوقا قرب الموصل وملكها وطرد حاكمها المعين من قبل البويهيين.
في سنة 391هـ قتل مؤسس امارة آل المسيب العقيلية الامير (ابي محمد المقلد بن المسيب العقيلي) غيلة بمؤامرة دبرها مماليكه (خدمة) الترك ولا يستبعد وجود اصابع البويهيين الديلم في هذه المؤامرة.
وبعد اغتيال الأمير المقلد تولى حكم الإمارة بعده ابنه (قرواش بن المقلد بن المسيب العقلي).
مال الأمير قرواش بعد وفاة أبيه الى التقرب والتعاون الى الشيخ (قراد بن اللديد) أحد رؤساء القبائل العربية بمنطقة الموصل بسبب خشيته من تمرد عمه الشيخ (الحسن بن المسيب العقيلي) عليه.
فاستغل عمه تعاونه مع قراد، فجمع اكثر رجال بني المسيب، وخاطبهم قائلاً: يا قوم كيف يرث (قراد بن اللديد) أموال بني المسيب وهم أحياء؟! فقام رجال آل المسيب باصلاح الأمور بين الأمير قرواش وعمه الحسن، ورسموا خطة سرية للقضاء على الشيخ (قراد بن اللديد) ولكنه اكتشفها فهرب ناجياً بعمره، وترك بيته وأمواله الكثيرة التي أخذها الأمير قرواش وجماعته بني المسيب.
بنو عقيل وبنو أسد يكسرون البويهيين والترك
في سنة 392هـ سير الأمير قرواش جمعاً من عقيل الى منطقة المدائن فحاصرها ثم سقطت بيد عقيل فترة تتعدى السنة، فجمع الحاكم البويهي بهاء الدولة جيشاً كبيراً بقيادة أبي جعفر الحجاج بن هرمز وسيره الى المدائن لاخراج عقيل منها. فتحالفت قبيلة عقيل بقيادة أميرها قرواش مع قبيلة بني أسد بقيادة أميرها أبي الحسن مزيد الأسدي وتمكنت قوات العربان عقيل وأسد من كسر قوات الدولة المتكونة من الفرس (الديلم) والترك، وأسرت منهم خلقاً كثيراً ونهبت معسكراتهم وهرب أكثر جنودهم. وبعد هزيمته الشنيعة استنجد الحجاج بن هرمز بقبيلة خفاجة العربية الموجودة بالشام وبذل لهم المال فاجتمعوا معه وحارب بهم عربان بني عقيل وبني أسد، واشتد القتال وطالت مدته فاضطر العربان الى الانهزام الى الصحراء بعد الخسائر التي وقعت بين صفوفها فسار الحجاج بن هرمز الى حلل (المساكن والاثاث) أمير قبيلة بني أسد أبي الحسن مزيد الأسدي، الواقعة على الفرات فنهبها واستباحها هو وعسكره الخليط من الفرس والترك والعرب.
الأمير قرواش العقيلي يحارب أمير خفاجة ابن ثَمَّال في سنة 397هـ جمع الأمير (قرواش بن المقلد العقيلي) جموعاً كثيرة وسار بها الى الكوفة لمحاربة أمير إمارة خفاجة بالكوفة (أبي علي بن ثَمَّال الخفاجي) فالتقوا واقتتلوا، فانهزم الأمير قرواش وعاد الى الأنبار بينما بقي الأمير أبو علي بن ثمال الخفاجي مسيطراً على الكوفة وحاكماً لها. وكانت الكوفة فيما مضى خاضعة لامارة آل المسيب من بني عُقَيْل أمراء الموصل ولكن جيش الدولة العباسية أخرجهم من الكوفة، وسلم إمارة الكوفة الى قبيلة (بني خفاجة) وأول من استلمها والياً للعباسيين هو الأمير (أبو طريف عليان بن ثَمَّال الخفاجي) سنة 384هـ وقد قلده الخليفة العباسي حماية الكوفة وحماية محمل الحاج عبر الصحراء.
في سنة 401هـ توفي الشيخ أبو محمد عبد الله بن محمد بن مقن (شقيق المسيب بن مقلد الأول بن عمرو بن المهيا العقيلي). وفي مقلد الأول تجتمع ذرية آل المسيب وآل مقن.
الشقاق والتمرد يحدث بين رجال أسرة آل مقلد
في ربيع الأول من سنة 411هـ تمرد الشيخ ابو سنان غريب (ت 425 هـ) بن محمد بن مقن بن مقلد بن عمرو المهيا العقيلي على ابن عمه الامير قرواش (ت444هـ) بن المقلد بن المسيب بن مقلد بن عمرو بن المهيا العقيلي، كان يعاون غريب في تمرده ضد ابن عمه الامير قرواش كل من امير قبيلة بني اسد نور الدين دبيس بن علي بن الحسن بن مزيد الاسدي وعسكر بغداد البويهي، وتمكنت هذه الجموع من الانتصار على جيش الامير قرواش واسره هو وابن عمه الشيخ رافع (ت427) بن محمد بن مقن بن مقلد بن عمرو المهيا العقيلي، ودارت المعركة عند مدينة سر من رأى (سامراء الحالية) وبعد ان تم اسر قرواش ورافع تم نهب اموالهما وحلالهما، وتمكن الامير قرواش من تخليص نفسه من الاسر واستجار بأمير قبيلة خفاجة سلطان بن الحسين بن ثمال الخفاجي فاجاره ودافع عنه. اما الشيخ رافع فإنه استجار بقريبه الشيخ ابو سنان غريب ففكه من السجن واجاره من عسكر الدولة العباسية المقاد من قبل البويهيين.
الامير قرواش يفر من خفاجة واسد
في سنة 417هـ تعرضت قبيلة خفاجة بزعامة اميرها (امير الكوفة) ابو الفتيان منيع بن حسان الخفاجي لاراضي امير الموصل الامير قرواش بن المقلد بن المسيب العقيلي (امير عقيم) فانحدر من الموصل لدفعهم فاستعانوا بأمير الحلة (أمير بني أسد) نور الدين دبيس بن علي بن الحسن بن مزيد الاسدي فسار اليهم واجتمعوا فأتاهم عسكر بغداد لمساعدتهم ضد قرواش فالتقوا بظاهر الكوفة (بادية الكوفة) وهي لقرواش فجرى بين جيش قرواش العقيلي وهذه الجيوش المجتمعة عليه عدة مناوشات فعلم انه لا طاقة له بهم فسار ليلاً الى الانبار فتبعته اسد وخفاجة ولكنها لم تظفر الا ببعض حله وامواله، وواصل قرواش فراراه الى بادية الموصل حيث مقر حكمه وقبيلته بني عقيل.
البويهيون يزرعون الفتن بين القبائل العربية
وفي سنة 417هـ كعادتهم يستمر البويهيون في بث الفرقة وزرع الفتن بين القبائل العربية وشيوخها بقصد انهاكها واضعافها ليتم لهم السيطرة عليهم، ففي هذه السنة اجتمع الشيخ ابو الفضل بدران (ت425هـ) شقيق الامير قرواش مع بعض شيوخ قبيلة عقيل واعلنوا التمرد والعصيان على الامير قرواش (ت444هـ) بن المقلد بن المسيب العقيلي، واقتتلوا وثبت بعضهم لبعض وكثر القتل من الطرفين، واخيراً اصطلح الجميع واعاد الامير قرواش الى شقيقه ابي الفضل بدران حكم مدينة نصيبين.
شجرة نسب الأمراء العقيلين «آل المُسَّيّب وآل ا لمًقَّن» تنقسم إلى فرعين اساسيين هما:
أولاً: ذرية المُسَّيّب بن المُقَّلَّد بن عمرو بن المُُهَّيا العُقَيْلي.
ثانياً: ذرية المًقَّن بن المُقّلد بن عمرو بن المُهيَّا العُقَيْلي.
الفرع الأول أولاد المسيب بن المقلد بن عمرو وهم: ابو الذواد محمد والحسن وعلي والبنت رهيله «وهي محترمة ومبجلة - ينتخي بها آل المسيب»، وابو محمد المقلد، امير دولة بني عُقَيْل بالموصل وكانت الكوفة وباديتها تحت حكمه، قتل عام 391هـ بدأت امارته في 380 هـ وهو الجد الاكبر لكل الامراء العقيلين بالعراق والشام وبه جميهم يفتخرون ويتباهون في مجالس العربان.
والامير ابو الذواد محمد انجب: الذواد وكامل. اما الامير ابو محمد ا لمقلد فأنجب ابا الفضل بدران توفي عام 425 هـ وشعيب وابا كامل بركة توفي عام 443 هـ وقرواش المكنى بأبي المنيع معتمد الدولة توفي عام 444 هـ وتولى امارة الموصل بعد مقتل ابيه أبو محمد المقلد.
اما الامير ابو الفضل بدران فأنجب ولدين هما: ابا حسان المقلد توفي عام 446 هـ وعلم الدين قريش توفي عام 453هـ، وانجب علم الدين قريش ابناً اسمه شرف الدولة مسلم توفي عام 477هـ، وانجب شرف الدولة مسلم ابناً اسمه ابراهيم.
اما الامير شعيب بن ابي محمد المقلد انجب ولداً اسمه قيان و قيان انجب عليب، وعليب انجب المُجلي والمُجلي انجب ابا الحارث محيي الدين مهارش الذي تمكن من تكوين امارة له في مدينتي حديثة وعانة على الفرات وهو صاحب دين ومروءة وتوفي مهارش في الثمانين من عمره عام 499هـ وكانت القوافل العقيلية تنقل البضائع والتجار بأمن في وسط الصحراء، فالامير مهارش هو المسؤول عن ضمانة الامن والامان في الصحارى امام الدولة العباسية ومعتمديها.
وتسلم الامارة بعده ابنه الامير سليمان بن مهارش توفي عام 528 وبعد وفاة الامير سليمان تسلم الامارة ابنة غلام بن سليمان الذي تمكن الامير عماد الدين زنكي من عزله عن الامارة.
الفرع الثاني: اولاد المًقَّن بن المُقلد بن عمرو: لقد انجب الشيخ المقن والداً واحداً اسمه «محمد» وانجب الشيخ محمد اربعة اولاد هم الامراء: ابو محمد عبدالله «ت401هـ» وابو سنان سيف الدولة غريب «ت425» ورافع «ت427هـ» وخميس ابي ثعلب. والى هؤلاء الامراء الاربعة تنتسب كل ذرية آل المقن.
الامير رافع بن محمد بن مقن العقيلي عينه ابن عمه الامير قرواش بن المقلد اميراً على تكريت، وتوفي الامير رافع في رمضان سنة 427 هـ وخلف ما يزيد على خمسمائة الف دينار ملكها ابن اخيه ثعلب بن خميس وكان ثعلب طريداً في ايام عمه رافع.
الامير الثالث في امارة آل المسيب العقيلية ابو كامل بركة بن ابي محمد المقلد العقيلي: في سنة 441 هـ سار بجمع كبير من بني عقيل الى بلاد العجم فنهبوها واخذوا الكثير من الاموال.
وفي سنة 442 هـ تمكن زعيم الدولة ابو كامل بركه بن المقلد من القاء القبض على اخيه قرواش بن ابي محمد المقلد الامير الثاني وحجر عليه ومنعه من التصرف على اختياره ـ وأعلن نفسه أميرا لدولة آل المسيب ـ وفي سنة 443هـ توفي زعيم الدولة ابوكامل بركة بن المقلد «الأمير الثالث» وتأمر بعده علم الدين ابي المعالي قريش بن بدران بن المقلد وأصبح الأمير الرابع لدولة آل المسيب العقيلية في الموصل.
خلاف بين الأخوين قريش ومقلد:
في سنة 444هـ جرى خلاف حاد بين الأمير الرابع علم الدين قريش بن ابي الفضل بدران العقيلي وبين أخيه ابوحسان المقلد بن ابي الفضل بدران حول موضوع سجن عمهما قرواش «الأمير الثاني» حيث ان المقلد لم يوافق اخيه قريش على سجنه لعمه قرواش ولكن ارادة الله انهت خلافهما حيث ان عمهما معتمد الدولة ابوالمنيع قرواش «الأمير الثاني لدولة بني عقيل» مات في هذه السنة محبوسا من قبل ابن اخيه قريش في قلعة الجراحية من اعمال الموصل وكان الأمير قرواش من رجال العرب الصناديد وذا عقل راجح.
ومن طرائف الأمير قرواش العقيلي انه كان يقول: «ليس في رقبتي غير خمسة أو ستة من البادية قتلتهم، اما الحاضرة فان الله لا يعبأ بهم»!
الأمير مسلم يكسر اتباع العلوي المصري: في سنة 460هـ حدثت حرب بين شرف الدولة مسلم بن علم الدولة قريش «وهو الأمير الخامس، تسلم الامارة بعد وفاة والده» وبين قبيلة بني كلاب في منطقة الرحبة على الفرات وهم يتبعون طاعة العلوي المصري «الخليفة الفاطمي»، فكسرهم شرف الدولة مسلم وأخذ اسلابهم وأرسل اعلامهم المصرية الى بغداد فكسرت وطيف بها في البلد وارسلت الخلع الى شرف الدولة مسلم العقيلي من الخليفة العباسي والسلطان السلجوقي.
في سنة 472هـ ملك شرف الدولة مسلم بن قريش العقيلي صاحب الموصل ونصيبين مدينة حلب.
وفي سنة 477هـ توفي الأمير ابوالبركات شرف الدولة أمير بني عقيل صاحب الموصل والجزيرة والأنبار ونصيبين وحلب مسلم بن قريش بن بدران العقيلي «الحاكم الخامس» وهو زوج اخت السلطان السلجوقي آلب أرسلان، وكان شجاعا جوادا ذا همة وعزم، وبموته بدأ الانحلال والتدهور يتسرب لامارة آل المسيب العقيلية التي عاصمتها مدينة الموصل، وبعد وفاته تسلم الامارة ابنه الامير ابراهيم بن مسلم بن قريش بن بدران، فأصبح هو الحاكم السادس لامارة الموصل العقيلية، ففي سنة 482هـ استدعى السلطان السلجوقي ملكشاه الأمير ابراهيم لمقابلته ولما حضر الى بغداد اعتقله ووضعت الدولة يدها على اكثر اراضي وأملاك امارة آل المسيب في الموصل فزال سلطانها ووجودها تدريجيا، ولكن ظهر من ذرية الامير شعيب بن المقلد بن المسيب العقيلي رجالا شجعانا كونوا لهم امارة جديدة على الفرات في منطقة عانة وحديثة ذاع صيتها وانتشر خبرها في كتب التاريخ.
ہ باحث في التاريخ والتراث
تاريخ النشر: الجمعة 13/1/2006 بجريده الوطن الكويتيه
«بنو خَفَاجَهْ وبنو هًلاَل وآل الـمُسَيْب»
كتب:أحمد بن محارب الظفيري
عندما تكون الدولة المركزية برئاسة خليفة المسلمين قوية في المحاسبة والملاحظة وادارة الامور فانها تفرض هيبتها على جميع رعاياها الخاضعين لحكمها، وتبسط الامن والامان بقوة القانون وحزم الولاة، في كل بقاع اراضيها البعيدة والقريبة ويكون رأس الدولة الذي هو خليفة المسلمين هو صاحب الامر النافذ المطاع، فبيده الحل والربط بعد مشاورة بطانته التي تعاونه في ابداء الرأي وصياغة الاوامر وتوجيهها الى الاشخاص المناط بهم تنفيذها في اي مكان وفي اي مرفق من مرافق الدولة. والمعروف عن العرب وخصوصا ابناء القبائل العربية انهم يخضعون الى الدولة في ايام عزها وقوتها، ولكنها عندما تضعف وتبدأ بالانحدار والتمزق فان ابناء قبائل العرب في البوادي والارياف يلجأون الى اعرافهم وتقاليدهم القبلية، فتصبح القبيلة بالنسبة لهم هي الدولة والوطن ويصبح شيخ القبيلة، هو الرمز والمرجع في كل الامور (وشيوخ قبائل العرب البدوية عاديون وليسوا دكتاتوريين منذ الجاهلية والى اليوم) اما خليفة المسلمين الرسمي فلا يـأبه له أحد لانه ضعيف واموره بيد غيره، لقد ضاع من اسمه بريق الخلافة وفقد هيبتها، وهذا هو ما حصل فعلا مع خلفاء الدولة العباسية أيام العصر العباسي الثالث، حيث تمكن البويهيون الفرس من السيطرة على الدولة من سنة 334هـ/ 945م الى سنة 447هـ/1055م واصبح الخليفة العباسي ألعوبة في ايديهم لا يحل ولا يربط. ثم زال حكم ملوك بني بويه، وجاء بعدهم السلجوقيون الاتراك فحكموا في فترة العصر العباسي الرابع من سنة 447هـ/1055م الى سنة 547هـ/1152م وخلال فترة حكمهم كان اسم الخليفة يظهر احيانا ثم يخفت. ولكن للأمانة العلمية نقول: ان السلاجقة الاتراك كانوا ارحم واشفق على الدين والخليفة من سابقيهم البويهيين الفرس.
كانت اوضاع الدولة العباسية خلال هاتين الفترتين وما تلاهما بين مد وجزر من ناحية القوة والضعف، وحالة الضعف هي البائنة والظاهرة للعيان، وكان الخليفة العباسي يكتفي في اكثر الاحيان بترديد اسمه على المنابر فقط، وكان اخوال الخلفاء واصهارهم من فرس وترك وصقالبه، اضافة الى الجواري والغلمان التي تعج بها قصور الخلفاء وقصور الطبقات المترفة، كانت هذه الطبقات وما يلتف حولها من عناصر غير عربية هي المسيطرة على زمام الامور، وكانت لا تهتم الا بمصالحها الخاصة، ونتيجة لهذا الوضع السيئ توجه كبار رجالات العرب سواء من كان منهم بالحكم او خارجه الى الاتصال والارتباط العضوي بقبائلهم العربية المنتشرة في اطراف الدولة في البوادي والارياف، واصبح شيخ القبيلة هو الرمز، وباشرت هذه القبائل للمحافظة على وجودها العربي على الارض التي فتحها اجدادهم واورثوهم اياها. وكانت هذه القبائل ما زالت كما هي نقية صافية باخلاقها وعاداتها ومثلها العربية الإسلامية، وكانت مصيبتهم في خليفتهم الذي فقد هيبته واختلطت دماؤه العربية بدماء فارسية وتركية وغيرهما.
في هذه الفترة المضطربة السيئة التي تعيشها الدولة العباسية، تحركت احدى عشائر اكبر قبيلة عربية في ذلك الزمان والتي تضم فروعاً كثيرة ذائعة الصيت، ونعني بهذه القبيلة الكبيرة هي قبيلة (بني عُقَيْل) فمن فروع (عشائر) هذه القبيلة العقيلية تكونت عدة إمارات (دول) عربية حفظ لنا التاريخ أسماءها واسماء رجالاتها الأفذاذ، الذين مازالت اسماؤهم وقصصهم تتردد حتى هذا اليوم في دوواين عربان هذا الزمان، فالموروث الشعبي يحفظ الكثير من أخبار هذه العشائر العقيلية، ومنها سيرة وتغريبة (بني هلال) وهم كما نعلم من عشائر (فروع) بني عُقَيْل الذي يدور حولهم موضوعنا هذا.
لمحات من تاريخ قبيلة بني عُقَيْل وفرعيها بني خَفَاجْة وبني هًلاَل
قبيلة (بني عُقَيْل)، هي قبيلة عربية ذائعة الصيت في التاريخ العربي، ولقد ذكر القاضي عبدالرحمن بن محمد بن خلدون (ت 808هـ/1405م) في كتابه (العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر) في الجزء الرابع ص 254 الى ص 271 كلاماً كثيراً عن قبيلة (بني عُقَيْل) مختصر هذا الكلام هو ان قبيلة عُقَيْل من ذرية كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان. ويذكر ابن خلدون، ان بني عُقَيْل كانت لهم إمارة في الكوفة والبلاد الفراتية، وبقيت هذه البلاد بايديهم حتى غلبهم عليها السلجوقيون فتحولوا الى البحرين. وينتسب الى بني عُقَيْل بنو خفاجة إلا ان ذرية خفاجة استقلت باسمها وكونت لها قبيلة لوحدها. وهذه هي سلسلة نسب خفاجة (خفاجة بن عمرو بن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بم خصفة بن قيس عيلان). وخفاجة هو اسم امرأة انجبت أولادا كثرا فتسموا أولادها باسمها حيث يقال لهم (أبناء أو أولاد خفاجة). والى خفاجة ينتسب (توبه بن الحُمَيًّر) المقتول سنة 55 هـ صاحب الفتاة الخفاجية (ليلى الأخيلية). وكانت تقطن قبيلة خفاجة بنواحي الكوفة وبرز وجودها في القرنين الرابع والخامس الهجريين وكوّن الخفاجيون لهم إمارة في الكوفة سنة 374هـ بزعامة (ابو طريف عليان بن ثَمَّال الخفاجي). ومن امرء خفاجة الذائعي الصيت الى يومنا هذا في قصص الموروث الشعبي (الامير عامر الخفاجي) الذي ينسب اليه عربان هذا الزمان (قصر الأخيضر) فيسمونه بـ (قصر الخفاجي عامر) ويقولون ان هذا القصر هو مقر إمارته وقصر حكمه، ويزعم بدو هذا الزمان ان باني القصر هو الأمير عامر الخفاجي الذي جاء ذكره في سيرة بني هلال ويرجح زعم هولاء العربان هو ان الثابت تاريخياً ان قبيلة خفاجة كانت تقطن البادية التي تحيط بالقصر من كل جوانبه ولمسافات بعيدة جداً. ويقع هذا القصر في البادية الى الجنوب الغربي من محافظة كربلاء العراقية بمسافة 50 كيلو متراً. ويتردد اسم الخفاجي عامر في قصص عربان هذا الزمان عندما يتسامرون في الليالي الصحراوية المقمرة ويتبادلون حكايات واحداث سيرة وتغريبة قبيلة (بني هلال) فهم يقولون: ان الأمير الخفاجي عامر قد سحره جمال احدى بنات قبيلة بني هلال عند مرورهم بديرته فتولع قلبه بهذه الغادة المزيونة الهلالية وترك امارته وسافر معهم الى مصر ثم الى بلاد تونس وترك اسرته وديار قبيلته وامارته في بادية كربلاء والسماوة.
ويقول أعراب اليوم: عندما صمم الخفاجي عامر على المسير مع عربان بني هلال في تغريبتهم جعلته امه وديعة في عنق الفارس الهلالي ذياب بن غانم، حيث خاطبت ذيابا بهذا البيت من الشعر الشعبي:
ولديْ وديعْ ذيابْ ابنْ غانمْ
حيثْ انهْ سيفي من السيوفْ شطيرْ
فرد عليها ذياب بهذا البيت الشعبي:
ودعتيْ ولدكْ ذيابْ ابنْ غانمْ
وسُمرْ اللياليْ ما لهنْ وديعْ
ولما غرب بنو هلال وغادروا ديار خفاجة تذكرت والدة الخفاجي عامر ابنها وأخذت تتوجد وتتحسر عليه بهذه الأبيات الشعبية:
يا ويلديْ منْ يومْ انا حاملي بهْ
وأنا أحسْ بكبديْ تقلْ شوكْ بخيعْ
يا ويلديْ حاكمْ على تسعينْ قريهْ
بها منْ يشتريْ وبها منْ يبيعْ
يامرْ على بيبانها ما يغلّقّن
يخافْ على هتاش العراقْ يضيعْ
شرح البيت الأول: تقول انها منذ ان حملت بولدها (الخفاجي عامر) وهي تحس وكأن في كبدها شوك شجر الطلح (بخيع).
شرح البيت الثاني: تقول: ان ولدها حاكم على تسعين قرية فيها من يشتري وفيها من يبيع.
شرح البيت الثالث: تقول: ان ولدي (الخفاجي عامر) بحكم كونه هو الأمير على هذه القرى فان يأمر حراس أبواب هذه القرى الواقعة على مشارف البادية بان لا يغلقوا الأبواب وأن يجعلوا هذه القرى مفتوحة للناس لأنه يخاف على القادم (هتّاش - الاتي ليلاً) الى العراق يضيع.
ذكر أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي (ت 328هـ) صاحب كتاب (العقد الفريد) في الجزء الثالث ص354 ان قبيلة (بني هلال) من القبائل التي تنتسب الى عامر بن صعصعة من هوزان من قيس عيلان العدنانية.
ومن بني هلال ميمونة زوجة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - و منهم أيضاً الشاعر الشهير في كتب الأدب العربي حُمْيد بن ثَوْر الهًلاَلي العامري.
ومن القبائل العامرية العدنانية التي ترجع الى عامر بن صعصعة ذكر ابن عبد ربه الأندلسي قبيلتي (بني كلاب) و(بني نُميرْ).
امارة آل المسيّب العقيلية في الموصل: قامت هذه الامارة (الدولة) العقيلية على يد مؤسسها الاول الامير (ابي محمد المقلد بن المسيب العقيلي)، حيث تمكن في سنة 380هـ بحنكته وجهده وبمساعدة قبيلته ان يكون له دولة او إمارة في منطقة الموصل، ثم تمكن بعد ذلك من ضم مدينة الكوفة وباديتها الى دولته.
في سنة 382 حاول الملك البويهي بهاء الدولة، القضاء على إمارة آل المسيب وابعاد قبيلة عُقَيْل عن الموصل، فأرسل جيشا بقيادة ابي جعفر الحجاج بن هرمز، وجرت له عدة وقائع مع قبيلة عقيل التي يقودها احد شيوخها الكبار وهو: (ابو الذواد محمد بن المسيب العقيلي) ـ شقيق امير عقيل المقلد ـ وتمكن العقيليون من كسر شوكة جيش الحجاج بن هرمز وطرده من الموصل.
اختهم الكبيرة (رُهَيْلة) تركب جملها وتصلح الامور بين آل المسيب.
في سنة 378 هـ تمرد الشيخ (علي بن المسيب العقيلي) على اخيه الامير [المقلد بن المسيب العقيلي] وتمكن المقلد من القضاء على التمرد وسجن اخيه علي، فثار اولاد الشيخ علي يعاونهم عمهم الشيخ (الحسن بن المسيب العقيلي)، لمحاربة امير الدولة المقلد بن المسيب الذي جمع جموعا من الاعراب كثيرة للقضاء على المتمردين. ولكن اخت ابناء المسيب الكبيرة المسماة (رهيلة بنت المسيب العقيلي) نصبت هودجها على جملها وتوجهت الى اخيها الامير المقلد الذي استقبلها خير استقبال مرحبا بها غاية الترحيب، فأصلحت ذات البين بن آل المسيب ونجحت وساطتها بين اخوتها وابناء عمومتها، فاطلق المقلد اخاه عليا ورد اليه امواله ونصب له خياما بالقرب من مخيمه وتحالفا فيما بينهما، فسر الناس بذلك وانتشرت اخبار الصلح عند كل عربان البوادي.
المقلد العقيلي يطرد حاكم دقوقا البويهي
في سنة 390هـ مات الشيخ (علي بن المسيب العقيلي)، فاستقر الامر لامير الدولة (المقلد بن المسيب العقيلي) بعد وفاة اخيه، وفي نفس هذه السنة سار الامير المقلد الى بلدة دقوقا قرب الموصل وملكها وطرد حاكمها المعين من قبل البويهيين.
في سنة 391هـ قتل مؤسس امارة آل المسيب العقيلية الامير (ابي محمد المقلد بن المسيب العقيلي) غيلة بمؤامرة دبرها مماليكه (خدمة) الترك ولا يستبعد وجود اصابع البويهيين الديلم في هذه المؤامرة.
وبعد اغتيال الأمير المقلد تولى حكم الإمارة بعده ابنه (قرواش بن المقلد بن المسيب العقلي).
مال الأمير قرواش بعد وفاة أبيه الى التقرب والتعاون الى الشيخ (قراد بن اللديد) أحد رؤساء القبائل العربية بمنطقة الموصل بسبب خشيته من تمرد عمه الشيخ (الحسن بن المسيب العقيلي) عليه.
فاستغل عمه تعاونه مع قراد، فجمع اكثر رجال بني المسيب، وخاطبهم قائلاً: يا قوم كيف يرث (قراد بن اللديد) أموال بني المسيب وهم أحياء؟! فقام رجال آل المسيب باصلاح الأمور بين الأمير قرواش وعمه الحسن، ورسموا خطة سرية للقضاء على الشيخ (قراد بن اللديد) ولكنه اكتشفها فهرب ناجياً بعمره، وترك بيته وأمواله الكثيرة التي أخذها الأمير قرواش وجماعته بني المسيب.
بنو عقيل وبنو أسد يكسرون البويهيين والترك
في سنة 392هـ سير الأمير قرواش جمعاً من عقيل الى منطقة المدائن فحاصرها ثم سقطت بيد عقيل فترة تتعدى السنة، فجمع الحاكم البويهي بهاء الدولة جيشاً كبيراً بقيادة أبي جعفر الحجاج بن هرمز وسيره الى المدائن لاخراج عقيل منها. فتحالفت قبيلة عقيل بقيادة أميرها قرواش مع قبيلة بني أسد بقيادة أميرها أبي الحسن مزيد الأسدي وتمكنت قوات العربان عقيل وأسد من كسر قوات الدولة المتكونة من الفرس (الديلم) والترك، وأسرت منهم خلقاً كثيراً ونهبت معسكراتهم وهرب أكثر جنودهم. وبعد هزيمته الشنيعة استنجد الحجاج بن هرمز بقبيلة خفاجة العربية الموجودة بالشام وبذل لهم المال فاجتمعوا معه وحارب بهم عربان بني عقيل وبني أسد، واشتد القتال وطالت مدته فاضطر العربان الى الانهزام الى الصحراء بعد الخسائر التي وقعت بين صفوفها فسار الحجاج بن هرمز الى حلل (المساكن والاثاث) أمير قبيلة بني أسد أبي الحسن مزيد الأسدي، الواقعة على الفرات فنهبها واستباحها هو وعسكره الخليط من الفرس والترك والعرب.
الأمير قرواش العقيلي يحارب أمير خفاجة ابن ثَمَّال في سنة 397هـ جمع الأمير (قرواش بن المقلد العقيلي) جموعاً كثيرة وسار بها الى الكوفة لمحاربة أمير إمارة خفاجة بالكوفة (أبي علي بن ثَمَّال الخفاجي) فالتقوا واقتتلوا، فانهزم الأمير قرواش وعاد الى الأنبار بينما بقي الأمير أبو علي بن ثمال الخفاجي مسيطراً على الكوفة وحاكماً لها. وكانت الكوفة فيما مضى خاضعة لامارة آل المسيب من بني عُقَيْل أمراء الموصل ولكن جيش الدولة العباسية أخرجهم من الكوفة، وسلم إمارة الكوفة الى قبيلة (بني خفاجة) وأول من استلمها والياً للعباسيين هو الأمير (أبو طريف عليان بن ثَمَّال الخفاجي) سنة 384هـ وقد قلده الخليفة العباسي حماية الكوفة وحماية محمل الحاج عبر الصحراء.
في سنة 401هـ توفي الشيخ أبو محمد عبد الله بن محمد بن مقن (شقيق المسيب بن مقلد الأول بن عمرو بن المهيا العقيلي). وفي مقلد الأول تجتمع ذرية آل المسيب وآل مقن.
الشقاق والتمرد يحدث بين رجال أسرة آل مقلد
في ربيع الأول من سنة 411هـ تمرد الشيخ ابو سنان غريب (ت 425 هـ) بن محمد بن مقن بن مقلد بن عمرو المهيا العقيلي على ابن عمه الامير قرواش (ت444هـ) بن المقلد بن المسيب بن مقلد بن عمرو بن المهيا العقيلي، كان يعاون غريب في تمرده ضد ابن عمه الامير قرواش كل من امير قبيلة بني اسد نور الدين دبيس بن علي بن الحسن بن مزيد الاسدي وعسكر بغداد البويهي، وتمكنت هذه الجموع من الانتصار على جيش الامير قرواش واسره هو وابن عمه الشيخ رافع (ت427) بن محمد بن مقن بن مقلد بن عمرو المهيا العقيلي، ودارت المعركة عند مدينة سر من رأى (سامراء الحالية) وبعد ان تم اسر قرواش ورافع تم نهب اموالهما وحلالهما، وتمكن الامير قرواش من تخليص نفسه من الاسر واستجار بأمير قبيلة خفاجة سلطان بن الحسين بن ثمال الخفاجي فاجاره ودافع عنه. اما الشيخ رافع فإنه استجار بقريبه الشيخ ابو سنان غريب ففكه من السجن واجاره من عسكر الدولة العباسية المقاد من قبل البويهيين.
الامير قرواش يفر من خفاجة واسد
في سنة 417هـ تعرضت قبيلة خفاجة بزعامة اميرها (امير الكوفة) ابو الفتيان منيع بن حسان الخفاجي لاراضي امير الموصل الامير قرواش بن المقلد بن المسيب العقيلي (امير عقيم) فانحدر من الموصل لدفعهم فاستعانوا بأمير الحلة (أمير بني أسد) نور الدين دبيس بن علي بن الحسن بن مزيد الاسدي فسار اليهم واجتمعوا فأتاهم عسكر بغداد لمساعدتهم ضد قرواش فالتقوا بظاهر الكوفة (بادية الكوفة) وهي لقرواش فجرى بين جيش قرواش العقيلي وهذه الجيوش المجتمعة عليه عدة مناوشات فعلم انه لا طاقة له بهم فسار ليلاً الى الانبار فتبعته اسد وخفاجة ولكنها لم تظفر الا ببعض حله وامواله، وواصل قرواش فراراه الى بادية الموصل حيث مقر حكمه وقبيلته بني عقيل.
البويهيون يزرعون الفتن بين القبائل العربية
وفي سنة 417هـ كعادتهم يستمر البويهيون في بث الفرقة وزرع الفتن بين القبائل العربية وشيوخها بقصد انهاكها واضعافها ليتم لهم السيطرة عليهم، ففي هذه السنة اجتمع الشيخ ابو الفضل بدران (ت425هـ) شقيق الامير قرواش مع بعض شيوخ قبيلة عقيل واعلنوا التمرد والعصيان على الامير قرواش (ت444هـ) بن المقلد بن المسيب العقيلي، واقتتلوا وثبت بعضهم لبعض وكثر القتل من الطرفين، واخيراً اصطلح الجميع واعاد الامير قرواش الى شقيقه ابي الفضل بدران حكم مدينة نصيبين.
شجرة نسب الأمراء العقيلين «آل المُسَّيّب وآل ا لمًقَّن» تنقسم إلى فرعين اساسيين هما:
أولاً: ذرية المُسَّيّب بن المُقَّلَّد بن عمرو بن المُُهَّيا العُقَيْلي.
ثانياً: ذرية المًقَّن بن المُقّلد بن عمرو بن المُهيَّا العُقَيْلي.
الفرع الأول أولاد المسيب بن المقلد بن عمرو وهم: ابو الذواد محمد والحسن وعلي والبنت رهيله «وهي محترمة ومبجلة - ينتخي بها آل المسيب»، وابو محمد المقلد، امير دولة بني عُقَيْل بالموصل وكانت الكوفة وباديتها تحت حكمه، قتل عام 391هـ بدأت امارته في 380 هـ وهو الجد الاكبر لكل الامراء العقيلين بالعراق والشام وبه جميهم يفتخرون ويتباهون في مجالس العربان.
والامير ابو الذواد محمد انجب: الذواد وكامل. اما الامير ابو محمد ا لمقلد فأنجب ابا الفضل بدران توفي عام 425 هـ وشعيب وابا كامل بركة توفي عام 443 هـ وقرواش المكنى بأبي المنيع معتمد الدولة توفي عام 444 هـ وتولى امارة الموصل بعد مقتل ابيه أبو محمد المقلد.
اما الامير ابو الفضل بدران فأنجب ولدين هما: ابا حسان المقلد توفي عام 446 هـ وعلم الدين قريش توفي عام 453هـ، وانجب علم الدين قريش ابناً اسمه شرف الدولة مسلم توفي عام 477هـ، وانجب شرف الدولة مسلم ابناً اسمه ابراهيم.
اما الامير شعيب بن ابي محمد المقلد انجب ولداً اسمه قيان و قيان انجب عليب، وعليب انجب المُجلي والمُجلي انجب ابا الحارث محيي الدين مهارش الذي تمكن من تكوين امارة له في مدينتي حديثة وعانة على الفرات وهو صاحب دين ومروءة وتوفي مهارش في الثمانين من عمره عام 499هـ وكانت القوافل العقيلية تنقل البضائع والتجار بأمن في وسط الصحراء، فالامير مهارش هو المسؤول عن ضمانة الامن والامان في الصحارى امام الدولة العباسية ومعتمديها.
وتسلم الامارة بعده ابنه الامير سليمان بن مهارش توفي عام 528 وبعد وفاة الامير سليمان تسلم الامارة ابنة غلام بن سليمان الذي تمكن الامير عماد الدين زنكي من عزله عن الامارة.
الفرع الثاني: اولاد المًقَّن بن المُقلد بن عمرو: لقد انجب الشيخ المقن والداً واحداً اسمه «محمد» وانجب الشيخ محمد اربعة اولاد هم الامراء: ابو محمد عبدالله «ت401هـ» وابو سنان سيف الدولة غريب «ت425» ورافع «ت427هـ» وخميس ابي ثعلب. والى هؤلاء الامراء الاربعة تنتسب كل ذرية آل المقن.
الامير رافع بن محمد بن مقن العقيلي عينه ابن عمه الامير قرواش بن المقلد اميراً على تكريت، وتوفي الامير رافع في رمضان سنة 427 هـ وخلف ما يزيد على خمسمائة الف دينار ملكها ابن اخيه ثعلب بن خميس وكان ثعلب طريداً في ايام عمه رافع.
الامير الثالث في امارة آل المسيب العقيلية ابو كامل بركة بن ابي محمد المقلد العقيلي: في سنة 441 هـ سار بجمع كبير من بني عقيل الى بلاد العجم فنهبوها واخذوا الكثير من الاموال.
وفي سنة 442 هـ تمكن زعيم الدولة ابو كامل بركه بن المقلد من القاء القبض على اخيه قرواش بن ابي محمد المقلد الامير الثاني وحجر عليه ومنعه من التصرف على اختياره ـ وأعلن نفسه أميرا لدولة آل المسيب ـ وفي سنة 443هـ توفي زعيم الدولة ابوكامل بركة بن المقلد «الأمير الثالث» وتأمر بعده علم الدين ابي المعالي قريش بن بدران بن المقلد وأصبح الأمير الرابع لدولة آل المسيب العقيلية في الموصل.
خلاف بين الأخوين قريش ومقلد:
في سنة 444هـ جرى خلاف حاد بين الأمير الرابع علم الدين قريش بن ابي الفضل بدران العقيلي وبين أخيه ابوحسان المقلد بن ابي الفضل بدران حول موضوع سجن عمهما قرواش «الأمير الثاني» حيث ان المقلد لم يوافق اخيه قريش على سجنه لعمه قرواش ولكن ارادة الله انهت خلافهما حيث ان عمهما معتمد الدولة ابوالمنيع قرواش «الأمير الثاني لدولة بني عقيل» مات في هذه السنة محبوسا من قبل ابن اخيه قريش في قلعة الجراحية من اعمال الموصل وكان الأمير قرواش من رجال العرب الصناديد وذا عقل راجح.
ومن طرائف الأمير قرواش العقيلي انه كان يقول: «ليس في رقبتي غير خمسة أو ستة من البادية قتلتهم، اما الحاضرة فان الله لا يعبأ بهم»!
الأمير مسلم يكسر اتباع العلوي المصري: في سنة 460هـ حدثت حرب بين شرف الدولة مسلم بن علم الدولة قريش «وهو الأمير الخامس، تسلم الامارة بعد وفاة والده» وبين قبيلة بني كلاب في منطقة الرحبة على الفرات وهم يتبعون طاعة العلوي المصري «الخليفة الفاطمي»، فكسرهم شرف الدولة مسلم وأخذ اسلابهم وأرسل اعلامهم المصرية الى بغداد فكسرت وطيف بها في البلد وارسلت الخلع الى شرف الدولة مسلم العقيلي من الخليفة العباسي والسلطان السلجوقي.
في سنة 472هـ ملك شرف الدولة مسلم بن قريش العقيلي صاحب الموصل ونصيبين مدينة حلب.
وفي سنة 477هـ توفي الأمير ابوالبركات شرف الدولة أمير بني عقيل صاحب الموصل والجزيرة والأنبار ونصيبين وحلب مسلم بن قريش بن بدران العقيلي «الحاكم الخامس» وهو زوج اخت السلطان السلجوقي آلب أرسلان، وكان شجاعا جوادا ذا همة وعزم، وبموته بدأ الانحلال والتدهور يتسرب لامارة آل المسيب العقيلية التي عاصمتها مدينة الموصل، وبعد وفاته تسلم الامارة ابنه الامير ابراهيم بن مسلم بن قريش بن بدران، فأصبح هو الحاكم السادس لامارة الموصل العقيلية، ففي سنة 482هـ استدعى السلطان السلجوقي ملكشاه الأمير ابراهيم لمقابلته ولما حضر الى بغداد اعتقله ووضعت الدولة يدها على اكثر اراضي وأملاك امارة آل المسيب في الموصل فزال سلطانها ووجودها تدريجيا، ولكن ظهر من ذرية الامير شعيب بن المقلد بن المسيب العقيلي رجالا شجعانا كونوا لهم امارة جديدة على الفرات في منطقة عانة وحديثة ذاع صيتها وانتشر خبرها في كتب التاريخ.
ہ باحث في التاريخ والتراث
تاريخ النشر: الجمعة 13/1/2006 بجريده الوطن الكويتيه